عبد الوهاب بن علي الشتيوي

Chargement...

Membres

lundi 11 mai 2009

الحماسة في الشعر العربي القديم



عبدالوهاب الشتيوي
تدريب على التّحليل الأدبي / قصيدة مدحيّة للمتنبّي
ّالمقدمة المقدمة العامة
م1ـ لقد ارتبطت الحماسة في الشّعر العربيّ منذ الجاهليّة بالحروب تصويرًا وتحريضًا وتحفيزًا وتباهيًا وثلبًا وتشهيرًا، لرصد الصّفوف وتعبئة الجيوش والقضاء على الأعداء، ولمّا ظهر الإسلام أصبحت دعوة لنشر الدّين الجديد وتوحيد العرب تحت راية واحدة، ودعوة لفرض البطولة والتّسلّح بالشّجاعة، ونشر الأعداء في ساحات الحرب، وقد اكتملت عناصر الشّعر الحماسيّ مع أبي تمّام، ثمّ مع أبي الطّيّب المتنبّي الذي صيّرها ملامح يُخلّدها التّاريخ باللّسان بعد أنْ خلّدها القائد بالسّيف...
م2 ـ ليست الحماسة من المواضيع الشّعريّة التي أُستُحدثت في العصر الإسلاميّ، بل إنّها موضوع قديم ظهر في الشّعر الجاهليّ وارتبط بالحروب القبليّة، وكان العرب يدمجونها في مدحيّاتهم وفخريّاتهم ومرثيّاتهم ومهجيّاتهم، غير أنّ شعراء العصر العبّاسيّ من أمثال البحتريّ وأبي تمّام والمتنبّي، استطاعوا تطوير أساليبها الفنيّة، وتعميق معانيها بجعلها جامعة بين الدّينيّ والاجتماعيّ والقيميّ والحربيّ، إلى أنْ قيل إنّها اقتربت من فنّ الملحمة الذي اختصّ به اليونانيّون القدامى...
م3 ـ لعلّ الأوضاع السّياسيّة والاجتماعيّة والدّينيّة التي عاشها العرب المسلمون في القرنين الثّالث والرّابع حيث استشرى الخلاف بين القادة السّياسيين، وظهر التّفكّك بين الأقاليم، وانبعث دويلات صغيرة في كلّ ناحية، وكثرت هجمات الأعداء من الرّوم والفرس، دفعت شعراء الحماسة إلى التّمسّك بكلّ حاكم يسعى إلى رأب الصّدع، ولمّ الشّمل، وإعادة الاعتبار إلى أمّة كانت منذ زمن قريب سيّدة الزّمان والمكان، فنسجوا قصائد تمجّدهم وتدعوا الأنصار إلى الالتفاف حولهم لمعاضدتم وإنجاح حملاتهم القوميّة والدّينيّة....المقدمة الخاصة تنزيل النصّ: بذكر مناسبته (خروج سيف الدّولة لنصرة أخيه ناصر الدّولة في حربه مع الدّيلميّ).الموضوع يمدح المتنبّي سيف الدّولة بإبراز قدراته الحربيّة الخارقة، وإعلاء شأنه أمام أعدائه المهزومين.أقسام النص 1 ـ البيت الأوّل: مطلع حكميّ تحفيزيّ.2 ـ من البيت 2 إلى البيت التّاسع: صورة سيف الدّولة الحربيّة.3 ـ البيت العاشر: نتيجة النّصر (تحقيق السّعادة)الاشكاليّات ـ كيف افتتح الشّاعر قصيدته؟ وما علاقته بنفسيّة الشّاعر وبموضوع الحماسة؟ـ ما هي الصّورة التي أخرج فيها سيف الدّولة؟ وما هي الأساليب التي اعتمدها؟ـ علام ركّز الشّاعر في مدحه سيف الدّولة؟ وما قيمة ذلك في تحقيق البعد الحماسيّ في النّصّ؟الجوهر بنية النصّ بني النصّ على ثلاثة أقسام، فقد انطلق الشّاعر بمطلع حكميّ تحفيزيّ هيّأ به الممدوح والمتقبّل عامّة للافتخار بقيم البطولة والقوّة والشّجاعة لأنّها الأداة الضّامنة لمجد الممالك، وألحقه بقسم مدحيّ حماسيّ خصّ به الممدوح سيف الدّولة الذي يُترجم حقًا حكمة الشّاعر على أرض الواقع، ثمّ ختم بقسم استنتاجيّ بيّن فيه أنّ هذا الممدوح المتمسّك بالسّيف لغة، والقوّة والشّجاعة مبدأ، ضمن السّعادة لأمّته، وهو موفّق في اختياراته سواءً قصد الشّيء أم نواه، ونلاحظ من خلال هذه البنية مخالفة الشّاعر أوّلا لبنى القصائد التّقليديّة، ثمّ نرى مدى التّآلف بين الأقسام والوحدة العضويّة بينها، فالحكمة أفرزت مدحًا لتجلّياتها في الممدوح، وأعقبت سعادة في الأمّة والأنصار. تحليل عنصر الإيقاعـ الإيقاع الخارجي: البحر والرّويّ والتّصريع.ـ الإيقاع الدّاخليّ: الظّواهر الصّوتيّة مثل الجناس والتّرديد والاشتقاق والطّباق (الإيقاع المعنويّ)
تحليل المطلع (القسم1) ـ استكره الشّاعر المطالع التّقليديّة التي دأب عليها الشّعراء في العصر الجاهليّ، والشّعراء المقلّدون في العصر الإسلاميّ، واختار المخالفة بتجاوز الطّلل والنّسيب، واستبدالهما بمطلع حكميّ تحفيزيّ، يناسب موضوع الحماسة، واللّحظة الشّعريّة، والمقام الحربيّ، وذلك لكي يعبّر عن قيمة الإنجاز التّاريخيّ الذي حقّقه ممدوحُه سيف الدّولة، إذ نصر أخاه على عدوّه الدّيلميّ، وألحق بالعدوّ الهزيمة النّكراء في البصرة، ومن شأن هذا المطلع أنْ يمجّد سيف الدّولة، ويبرز مآثره الحربيّة، ويضمن له الدّعاية السّياسية، كما أنّ هذا المطلع يؤثر القوّة والشّجاعة، ويدعو إلى التمسّك بالسّيف أداة لمحاورة الأعداء، كما أنّ المتنبّي افتخر بجيش الممدوح لأنّ تحفّزه للقتال كان شبيهًا باشتهاء المحبّين القبل من الأحبّة أثناء اللّقاء، وفي ذلك صورة طريفة تحقّق الخلود الفنّي للشّاعر، والخلود السّياسيّ للممدوح، ومن شأن الحكمة أنْ تُخرج التّجربة من الإطار الفرديّ إلى الإطار الجماعيّ، وتجعلها حقيقة تارخيّة قابلة للتّكرار كلّما توفّرت الظّروف المواتية نفسُها...تحليل القسم
2 ـ اللّغة: ـ الجمل الفعليّة (بغى، تتلو، يجعل، يلقى، يعود، أغذّ..) التي تبيّن كثرة أفعال الممدوح وجيشه، وكثرة الحركة والأحداث والوقائع...ـ الجمل الخبريّة التي تنقل أحداثًا تاريخيّة حقيقيّة ثابتة، وقد راوح الشّاعر بين الخبر الابتدائيّ (تتلو، يلقى..) والخبر المؤكّد (قد أغذّ..)، كما راوح بين الإثبات والنّفي، فالإثبات تعلّق بالممدوح إيجابًا، والنّفي تعلّق به من أجل نفي السلبيّ عنه (غير مفتخر، غير محتفل..)، كما تعلّق بالعدوّ لسلبه القيم الإيجابيّة وإبرازه في الصّورة السلبيّة المهينة...ـ التّركيز على المسند إليه الرّئيسيّ سيف الدّولة، وجعله فاعل الأفعال، ومحرّك بقيّة الفاعلين (تتلو أسنّته، الباعث الجيش، تركت جمعهم..)ـ جعل الأفعال في صيغة المضارع ليبرز أنّ أفعال الممدوح غير منقضية، ولا تتعلّق بالماضي فحسب، وإنّما هي أفعال دائمة بدوام حكمه، مستمرّة باستمرار حروبه وانتصاراته...ـ المعاجم: المعجم السّياسيّ: الأمير، الملوك، الكتب، الرّسل) ـ المعجم الحربيّ (الرّماح، الخيل، الإبل، أسنّته، الجيش، عجاجته، الأعداء، الحروب) ـ المعجم الدّينيّ (فتح) ـ المعجم القيميّ: العزيمةوالإرادة (بغى شيئًا فقرّبه) ـ القوّة والشّجاعة والتّحديّ (يلقى الملوك ولا يحفل بهم) ـ السّطوة (يفتك بالأعداء ويفتكّ الغنائم) ـ التّخطيط والتنفيذ (الباعث الجيش) ـ الصّبر والقدرة على القتال (الأعداء لا يصيبونه بالملل) ـ حسن التّدبير والتّفكير (لا تصاب آراؤه بالخطإ) ...ـ البلاغة: الطّباق والمقابلة من أجل إبراز المفارقة بين الممدوح إيجابًا، والعدوّ سلبًا، فبين سيف الدّولة وعدوّه فوارق بيّنة، وهي فوارق بين قائد حكيم قادر، وعدوّ مهزوم يُعِدّ الجيش ليكون غنيمة في أيدي جيش الممدوح...ـ الصّورة الشّعريّة: ـ تتأسّس الصّورة في الشّعر العربيّ القديم على التّشبيه والاستعارة والكناية، وإنْ كان الشّعر الجاهليّ ينزع نحو التشبيه بكثرة لقرب الإنسان الجاهليّ من التّفكير الحسّي المحدود، فإنّ الشّعر في العصر العبّاسيّ خاصة أصبح يعوّل على الاستعارة والكناية دون أنْ يُهمل التّشبيه: ـ التّشبيه (مثل، كالطّفل) ـ الاستعارة (جعل الرّماح والخيول والإبل محقّقة رغبات الممدوح، وأسنّة الرّماح قارئة الكتب، وملوك الأعداء لحمًتا ملقى للسّباع، خيال الممدوح يجري في دماء الأعداء، يستشعر الممدوح نشوة المخمور)..ـ نشوء الصّورة من معينين، الأوّل يتعلّق بالمبالغة والتّضخيم، والثّاني يتعلّق بالطّرافة، فمن المبالغة جعل الأمير ممسكًا بكلّ شيء في الدّولة وفي ساحة الوغى بنفسه، وهو يحارب الملوك كلّهم لا ملكًا واحدًا، وهو المنتصر عليهم جميعًا، وهم يسلّمون أنفسهم إلى السّباع، ويسلّمون عدّتهم له غنائم، ويرسل جيشًا عرمرمًا عظيم العدد والعدّة، يحوّل ضوء النهار إلى آخره بسبب ما يثير من غبار وأتربة، ورغم كلّ هذه الحروب فهو لا يصل إلى مرحلة الملل، كما لا يتبلّد ذهنه فيخطئ في أحد القرارات، بل إنّه يفرّق الأعداء عن أرضهم، ويحطّ فيها رجاله وبني قومه، وتتضخّم الصّورة أكثر حين يصبح خيال هذا الممدوح شبحًا يطارد الأعداء ويجري في دمائهم، فيصيبه بالنّشوة الشّبيهة بالنّشوة التي يجدها شارب الخمرة الثّمل، وتصبح الصّورة بهذا المعنى نازعة نحو الأسطورة ليصبح الممدوح كائنًا أسطوريًّا لأنّه كائن خارق للعادة، يحارب جمعًا لا فردًا وينتصر، وتتحوّل الحماسة مع المتنبّي إلى ملحمة تاريخيّة ينجزها البطل الحربيّ بالسّيف والخيل، وملحمة شعريّة ينجزها هو بالقرطاس والقلم.ـ والطّرافة تكمن في جعل الصّور المرتبطة بالعنف والتّقتيل والتّرهيب صورًا جميلة مستحبّة بالنّسبة إلى المتقبّل، فما كان يُنفّر أصبح يقرّب، وتلك القيمة الجماليّة لشعر المتنبّي..ـ المعاني الحماسيّة ارتبطت بالحرب، وارتبطت بقائد ميدانيّ يخطّط ويدبّر ويجهّز وينجز، فينتصر، وقد كفّ الممدوح في هذا الشعر المدحيّ الحماسيّ عن أنْ يكون مجرّد حاكم يجلس في بلاط ويطلق الأوامر، إنّه لم يعد ممدوحًا كريمًا يعطي المال، بل أصبح ممدوحًا كريمًا يبذل بالجسد، ويضحّي بالنّفس والنّفيس، ويحافظ على الكرامة لصيانة العرض والأرض، والذبّ عن حمى الأمّة والدّين، والذّود عن الرّاية التي أصبحت هدفًا لكلّ الأعداء التّاريخيين والجغرافيين... تحليل القسم 3 ـ إبراز أهميّة العنصر الأخير باعتباره قفل القصيدة، وآخر ما سيبقى في الذّهن، ما سيعلق بالنّفس، فقد جعل الشّاعر منجزات الممدوح محقّة للسّعادة الدّينيّة والدّنيويّة، والاجتماعيّة والسّياسيّة والنّفسيّة، وهذه السّعادة تحقّقت بأفعاله الخارقة، ومنجزاته العظيمة، ثم إنّه يذكّره بكونه موفّقًا في الحرب والسّلم (مرتحلاً أو غير مرتحل) ليعود إلى المدح العاديّ اليوميّ باعتبار انتهاء الواقعة، واستراحة المحاربين، وترجّل الفرسان...الخاتمة التأليف إبراز أهمّ الاستنتاجات التي يوصل إليها التّحليل، من ذلك التّكامل بين أقسام النصّ، وقدرة الشّاعر على إخراج الممدوح في أبهى صورة من أجل التّمجيد والتّحفيز وكسب التّأييد والحصول على المال.التّقويم إبراز قيمة النصّ الفنيّة في علاقته بشعر الحماسة، وباعتبار موقعه من شعر أبي الطيّب، وخاصة في المرحلة السّيفيّة، والتّأكيد على القيمة الجماليّة والوثائقيّة لشعر الحماسة، ثمّ التّنصيص على أنّ شعر الحماسة لا يعكس الواقع التّاريخيّ كلّه، بقدر ما يعكس الواقع الذّهنيّ والتّخييليّ الذي عاشه الشّاعر في علاقته بممدوح وجد فيه نفسه، وجسّد فيه أحلام أمّة تبحث عن مجدها الضّائع...

Aucun commentaire: